يعيش حزب الله اللبناني اليوم مفارقة وجودية هي الأعمق منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي. فمن جهة، يتصدر الحزب المشهد الإقليمي كقوة وحيدة تخوض مواجهة عسكرية مباشرة واسعة النطاق ضد إسرائيل، مدفوعاً بقرار “إسناد غزة” عقب عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، وصولاً إلى انخراطه الكامل في الحرب الشاملة التي أعقبت اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في ضربة أميركية – إسرائيلية في طهران. ومن جهة أخرى، يرزح الحزب تحت وطأة “عزلة أهلية وسياسية” داخل لبنان، وفجوة ثقة عميقة مع الشارع العربي، نتيجة تراكمات عقدين من التدخلات العسكرية والأمنية خارج حدوده.
يسعى هذا النص (تقدير الموقف) للإجابة عن سؤال مركزي: هل تشفع المواجهة الحالية لحزب الله مع إسرائيل في ترميم رأب الصدع الشعبي العربي واللبناني، أم أن الندوب التي تركتها معاركه الإقليمية والداخلية أعمق من أن تمحوها صواريخ “الإسناد”؟
من "أيقونة 2006" إلى "خنادق القصير"
لكي نفهم حجم الخسارة الشعبية التي يواجهها الحزب، لا بد من مقارنة الواقع الحالي بالذروة التاريخية لشعبيته في سنة 2006.
● ذروة الأيقونة (2006): نجح حزب الله في الصمود 34 يوماً بوجه الآلة العسكرية الإسرائيلية، مُجبراً إياها على التراجع إلى “الخط الأزرق” (خط الانسحاب المعتمد من الأمم المتحدة سنة 2000، والذي لا يزال يشهد نزاعاً على 13 نقطة حدودية بناءً على حدود اتفاقية الهدنة لسنة 1949). في ذلك الوقت، رُفعت صور الأمين العام السابق للحزب، حسن نصر الله، في العواصم السنية من القاهرة إلى عمان والرياض باعتباره “رمزاً ثورياً عابراً للمذاهب”.
● انكسار السردية (2008 – 2011): بدأت الصورة بالاهتزاز داخلياً عقب اتهام عناصر من الحزب باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري (وهو ما أكدته المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لاحقاً في حكمها الصادر سنة 2020، رقم القضية STL-18-10)، تلاها استخدام الحزب سلاحه داخلياً واجتياح بيروت في 7 أيار / مايو 2008 عقب قرارات حكومية تخص شبكة اتصالاته.
● الشرخ الكبير (2012): شكل التدخل العسكري المباشر للحزب في سورية لإنقاذ نظام بشار الأسد نقطة التحول القاتلة. ففي الوقت الذي حازت فيه الثورة السورية (التي انطلقت سنة 2011) على تعاطف جارف من الشارع السني والدرزي والمسيحي في لبنان والعالم العربي، واجه الحزب اتهامات بالمساهمة في قمع وإفراغ مدن سورية بأكملها (مثل القصير وحلب).
الأزمات الإقليمية وتعميق الجفاء العربي
لم تقتصر أوزار التدخل الخارجي على سورية، بل امتدت لتشمل ملفات عربية حساسة:
● الخليج واليمن والعراق: تسبب دعم الحزب الإعلامي واللوجستي لجماعة “أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن، وصلاته بالفصائل الشيعية في العراق، في تصنيفه من قبل مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية “منظمة إرهابية” (بموجب القرار الصادر عن الجامعة العربية في آذار / مارس 2016). واعتبرت دول الخليج أن الحزب أداة لاستهداف أمنها القومي لصالح طهران.
● مصر والأردن: تعود جذور الأزمة مع مصر إلى سنة 2009، عندما فككت القاهرة ما عُرف بـ”خلية حزب الله في مصر” (التي حوكم عناصرها سنة 2010)، حيث استغل الحزب فترة الفوضى اللاحقة لسقوط نظام مبارك سنة 2011 لتأمين قنوات اتصال وتهريب مباشرة مع حركة حماس في غزة. أما مع الأردن، فقد تصاعد التوتر جراء اتهام عمان لمجموعات يدعمها الحزب بتهريب الأسلحة والمخدرات (الكبتاغون) عبر الحدود السورية – الأردنية.
حرب 2023 - 2026: استعادة التعاطف
جاءت عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023 لتعيد توجيه بوصلة الحزب نحو إسرائيل، “عدوه التقليدي”، عبر فتح الحزب جبهة “إسناد” جنوب لبنان في 8 تشرين الأول / أكتوبر، وهي خطوة حظيت بتقدير الشارع العربي المتعطش لأي جهد عسكري يخفف الضغط عن غزة.
وتضاعف هذا التعاطف الإنساني والوجداني بعد الضربات القاسية والموجعة التي تلقاها الحزب من إسرائيل في سنة 2024، بدءاً من تفجيرات أجهزة “البيجر” واللاسلكي (التي أسفرت عن مقتل وإصابة الآلاف في أيلول / سبتمبر 2024 وفقاً لبيانات وزارة الصحة اللبنانية)، وصولاً إلى قطع رأس الهرم القيادي للحزب عبر اغتيال كبار قادته السياسيين والعسكريين، وعلى رأسهم “القائد الأيقوني” حسن نصر الله في غارة ضخمة على الضاحية الجنوبية لبيروت.
هذه التضحيات، واستهداف المدنيين اللبنانيين، أعادا إحياء مشاعر التضامن مع الحزب باعتباره “ضحية” و”مقاوم”، لكنه تعاطف مشروط ومحصور في إطار مواجهة إسرائيل، من دون أن يعني صك غفران عن ماضيه الإقليمي.
الواقع الداخلي والإقليمي الراهن
مع الاعتراف باستعادة جزء كبير من التعاطف الشعبي العاطفي مع تضحيات الحزب، إلا أن القراءة الباردة للمشهد تظهر الحقائق التالية:
- الانكفاء المذهبي داخلياً: خسر الحزب عمقه اللبناني العابر للطوائف. الحاضنة الشعبية الحالية للحزب باتت مقتصرة بشكل شبه كلي على البيئة الشيعية. الشارع السني (المتأثر بإرث الحريري وسورية)، والدرزي (بقيادة وليد جنبلاط التاريخية)، والمسيحي (الذي يرى في السلاح تقويضاً للدولة) يرفضون ربط مصير لبنان بالمحور الإيراني.
- الرفض السوري والإقليمي: لا يزال الملايين من السوريين (النازحين والمهجرين) ينظرون للحزب كـ “قوة احتلال”. وفي الخليج، يمنع الارتباط العضوي للحزب بإيران ومشاركته في حروبها الإقليمية أي إمكانية للتطبيع الشعبي أو السياسي معه.
السيناريوهات والاحتمالات
بناءً على المعطيات السابقة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل التأييد الشعبي لحزب الله:
السيناريو الأول: “الترميز الوجداني المحدود” (الأكثر ترجيحاً)
أن ينجح الحزب في استعادة مكانته “أيقونة مقاومة” في الوجدان العربي العام، ولكن كحالة عاطفية مرتبطة بـ “القضية الفلسطينية” فقط. في هذا السيناريو، يصفق الشارع العربي لمواجهة الحزب ضد إسرائيل، لكنه يظل يرفض تمدده السياسي والمذهبي في العواصم العربية. داخلياً في لبنان، سيبقى الحزب معزولاً طائفياً، عاجزاً عن صرف إنجازه العسكري في بازار السياسة المحلية لرفض الشركاء الآخرين له.
السيناريو الثاني: "الانكفاء السلبي واستمرار العداء"
أن تطغى أوزار الحرب الإقليمية الحالية (ولا سيما بعد دخول واشنطن وإسرائيل في مواجهة مباشرة مع إيران واغتيال خامنئي) على المشهد. هنا، يُنظر إلى حزب الله في الشارع العربي واللبناني ليس كحركة تحرر وطني، بل مجرد “خط دفاع أمامي” عن المصالح الإيرانية. هذا السيناريو سيعمق الشرخ السني – الشيعي، ويزيد من عزلة الحزب داخلياً وخليجياً، خاصة إذا اعتبرت الشعوب العربية أن الحزب يجر المنطقة إلى حرب تدميرية لغايات غير عربية.
السيناريو الثالث: "المراجعة التاريخية والتموضع اللبناني" (الأقل احتمالاً)
أن يدفع حجم الخسارات الكبرى واغتيال القيادة التاريخية للحزب (نصر الله) إلى مراجعة استراتيجية شاملة بعد انتهاء الحرب. يقتضي هذا السيناريو قيام الحزب بـ”لبننة” خطابه وفك ارتباطه العملياتي بالساحات الإقليمية (اليمن، والعراق، وسورية)، وتسليم سلاحه أو دمجه في استراتيجية دفاعية وطنية تحت مظلة الدولة اللبنانية. في حال حدوث ذلك، يمكن للحزب أن يستعيد تدريجياً تأييداً وطنياً لبنانياً عابراً للطوائف، وفتح صفحة جديدة مع الدول العربية (مصر والخليج والأردن)، لكن هذا الاحتمال يتطلب تحولاً بنيوياً في العقيدة التأسيسية للحزب.
المراجع
– حرب 2006 والخط الأزرق: تقارير الأمم المتحدة بشأن القرار 1701؛ وثائق ترسيم الحدود اللبنانية-الفلسطينية لسنة 1923؛ اتفاقية الهدنة لسنة 1949.
– قضية اغتيال رفيق الحريري: المحكمة الدولية الخاصة بلبنان (Special Tribunal for Lebanon)، الحكم الصادر في آب / أغسطس 2020 ضد سليم عياش (رقم القضية: STL-18-10).
– تصنيف الحزب إقليمياً: قرارات جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي (آذار / مارس 2016) القاضية باعتبار حزب الله منظمة إرهابية.
– خلية حزب الله في مصر: أحكام محكمة أمن الدولة العليا طوارئ بمصر الصادرة في نيسان / أبريل 2010 بحق 26 متهماً في القضية.
– أرقام ضحايا البيجر 2024: البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة العامة اللبنانية (أيلول / سبتمبر 2024).


