شبه أحدهم، وهو بعيد عن السياسة والسياسيين، خلال نقاش ثنائي، ما يجري حالياً بين الولايات المتحدة وإيران من حرب حامية وباردة ودبلومساية، بالبوكر والشطرنج: البوكر المقامرة التي يهواها الأميركيون، والشطرنج التي ابتدعها الفرس منذ زمن سحيق، في تصوير للذهنية الأميركية التي تريد الربح السريع بغض النظر عن كيفية جنيه (الحلم الأميركي)، والذهنية الإيرانية الباردة التي تتأنى وتحسب الأمور لتضمن الربح (حائك السجاد).
ليس من قبيل الصدفة أن تختار الأقدار ساحة النزال بين قوتين لا تجمعهما لغة ولا رؤية: واحدة تنظر إلى العالم كطاولة “بوكر” خضراء، والأخرى تراه رقعة “شطرنج”. في واشنطن، تسود عقلية المقامر الذي يرمي بأوراقه على الطاولة، يراقب “البلف” (Blinking)، ويبحث عن الربح السريع الخاطف الذي يجسد “الحلم الأميركي” في ثروة تهبط بضربة حظ أو شجاعة متهورة. أما في طهران، فالزمن ليس خصماً بل هو حليف، تماماً كحائك السجاد العجمي الذي يقضي العمر يغزل الغرزة تلو الغرزة، بصبر يفتت الصخر، لينتج في النهاية لوحة متقنة.
فمنذ نجاح الثورة في إيران على الشاه وتأسيس الجمهورية الإسلامية سنة 1979، والتاريخ يكتب فصولاً من صراع “الهويات الذهنية” بين إيران والولايات المتحدة الأميركية قبل أن يكون صراعاً على النفوذ.
حين سقطت "البيادق"
بدأت الحكاية بانهيار الركن الأساسي للاستراتيجية الأميركية في المنطقة، فبسقوط الشاه، لم تفقد واشنطن حليفاً فحسب، بل فقدت “شرطي المرور” في الخليج. وجاءت حادثة اقتحام السفارة الأميركية واحتجاز الرهائن لتكون الصدمة الأولى للعقل الأميركي؛ صدمة لم تستوعب كيف يمكن لثورة شعبية في بلد يُعد من بلدان “العالم الثالث”، أن تكسر هيبة القوة العظمى. هنا، بدأ الأميركيون أولى جولات “البوكر” بفرض العقوبات والمقاطعة، في رد فعل سريع وعنيف، بينما بدأ الإيرانيون ترتيب رقعة “الشطرنج” لمد نفوذهم الإقليمي بهدوء.
الضرب من تحت الطاولة
في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تدعم العراق في حرب الـ 8 أعوام، كانت إيران تمارس لعبة “النفس الطويل”. ومع ذلك، لم تخلُ العلاقة من “صفقات غامضة” خلف الستار، تماماً مثل فضيحة “إيران – كنترا”. هنا تجلت البراغماتية الإيرانية: التحالف مع “الشيطان الأكبر” في لحظة ضرورة من أجل البقاء، بينما كان الأميركي يحاول شراء الوقت في مغامرة سياسية كلفت إدارة ريغان الكثير.
الحسابات المعقدة
بحلول القرن 21، تحول الصراع من الحدود السياسية إلى “تخصيب اليورانيوم” الذي أجادته إيران على الرغم من العقوبات الأميركية والأوروبية والأممية عليها.
اعتقدت إدارة الرئيس السابق أوباما أنها حققت “الربح السريع” بوقف البرنامج النووي، لكن الإيراني كان ينظر إلى الاتفاق كـ “نقلة فيل” ذكية تحمي الملك (النظام) وتفك الحصار عن الاقتصاد، من دون أن يتخلى عن “خيوط السجاد” التي مدها في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.
تمزيق وترميم
جاء دونالد ترامب، “لاعب البوكر” الكلاسيكي، ليمزق في ولايته الأولى، الاتفاق النووي الذي أرساه أوباما بضربة واحدة، مراهناً على سياسة “الضغط الأقصى” لإسقاط الخصم بالضربة القاضية. لكن الإيرانيين، تحمّلوا، وناوروا، ولم يسقطوا. ومع وصول جو بايدن، عادت واشنطن تبحث عن “الوسطية”، لكنها وجدت نفسها أمام مفاوض إيراني حاد الذكاء، يدرك أن الأميركي “مستعجل” للانسحاب من الشرق الأوسط والالتفات للصين، فرفع سقف المطالب، تماماً كما يفعل لاعب الشطرنج الذي يهدد بـ “كش ملك” قبل نهاية الوقت.
صراع النَفَس
إن ما نراه اليوم هو نتاج تصادم فلسفتين: الأميركية التي تريد “حلاً الآن” عبر صفقة شاملة، وخروجاً مظفراً، وهي ذهنية لا تملك ترف الوقت بسبب دورات الانتخابات وضغط الرأي العام؛ الإيرانية التي لا تمانع في التفاوض لعشر سنوات أخرى، طالما أن النتيجة النهائية تضمن بقاء “السجادة” مكتملة الأركان والنفوذ.
في هذه اللعبة، قد يربح الأميركي “جولة بوكر” بالحصار والقعوبات، أو بالضربات العسكرية المحدودة، لكن الإيراني يراهن على “نهاية اللعبة” (Endgame) على رقعة الشطرنج، فتكون العبرة ليست بمن يملك الأوراق الأقوى، بل بمن يعتلي رقعة الشطرنج ويملك النفس الأطول.


