أظهر استطلاع أجراه معهد إنسا (INSA)، عشية الاستحقاق الانتخابي في ولاية Sachsen-Anhalt، الذي جري يوم الأحد (6 أيلول / سبتمبر)، ونشرته صحيفة بيلد (BILD) في 1 أيلول / سبتمبر 2026، وتناول شعبية السياسيين في ألمانيا، تراجع رئيسة حزب البديل (يمين عنصري متطرف) من أجل ألمانيا (AfD) أليس فايدل (Alice Weidel) من المركز السابع إلى المركز العاشر بحصولها على تقييم 3,78 من أصل 10 نقاط.
وشمل التراجع أيضاً الرئيس المشارك للحزب تينو شروبالا (Tino Chrupalla)، الذي تراجع بدوره من المرتبة 15 إلى المركز 16.
واللافت أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس (Friedrich Merz) تذيّل قائمة الترتيب بحلوله في المركز العشرين والأخير مسجلاً أدنى تقييم بـ 2,57 نقطة.
وفي المقابل، حافظ وزير الدفاع بوريس بيستوريوس (Boris Pistorius) على صدارة التصنيف العام للشخصيات الأكثر شعبية بتقييم بلغ 4,81 نقطة، تلاه جيم أوزدمير (Cem Özdemir) بـ 4,33 نقطة، ثم رئيس وزراء ولاية شمال الراين -وستفاليا هندريك فوست (Hendrik Wüst) بـ 4,10 نقاط.
نبذة عن الأحزاب وموقعها في الاستطلاع
لفهم نتائج الاستطلاع المُشار إليه، لا بد من شرح مفصّل لأبرز الأحزاب والشخصيات الواردة فيه، مع تحليلٍ لأسباب تراجع شعبية بعضها وفقاً للمشهد السياسي الحاضر في ألمانيا:
1 – حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD – Alternative für Deutschland): حزب يميني شعبوي إلى متطرف، تأسس سنة 2013، ويتبنى مواقف متشددة جداً تجاه الهجرة واللجوء، وينتقد سياسات الاتحاد الأوروبي، وغالباً ما تثير خطاباته جدلاً واسعاً في الشارع الألماني.
ومن أبرز شخصياته الواردة في الاستطلاع: أليس فايدل (Alice Weidel)، وهي الرئيسة المشاركة للحزب وزعيمته البرلمانية. تراجعت في الاستطلاع الأخير من المركز 7 إلى المركز 10 (3,78 نقطة)؛ تينو شروبالا (Tino Chrupalla)، وهو الرئيس المشارك الثاني للحزب، وتراجع من المرتبة 15 إلى المركز 16.
2 – حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU – Christlich Demokratische Union)، وهو حزب يمين الوسط التقليدي (محافظ)، وأحد عصبَي الحياة السياسية التاريخية في ألمانيا إلى جانب الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD).
ومن أبرز شخصياته في الاستطلاع: زعيم الحزب ورئيس المعارضة التقليدية فريدريش ميرتس (Friedrich Merz) الذي تذيل القائمة في المركز العشرين والأخير (2,57 نقطة)؛ هندريك فوست (Hendrik Wüst)، وهو رئيس وزراء ولاية شمال الراين – وستفاليا، وأحد وجوه الحزب البارزة، وجاء في المركز الثالث (4,10 نقاط).
3 – الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD – Sozialdemokratische Partei Deutschlands)، وهو حزب يسار الوسط التقليدي (ديمقراطي اجتماعي)، وحالياً يقود الحكومة الألمانية.
من أبرز شخصياته في الاستطلاع: بوريس بيستوريوس (Boris Pistorius) الذي يشغل منصب وزير الدفاع، وقد حافظ على صدارة التصنيف العام كأكثر السياسيين شعبية (4,81 نقاط).
4 – حزب الخضر (Bündnis 90/Die Grünen)، وهو حزب يساري يركز على قضايا البيئة، حماية المناخ، والسياسات التقدمية.
من أبرز شخصياته في الاستطلاع: جيم أوزدمير (Cem Özdemir)، أحد أبرز قيادات الحزب والوزراء الاتحاديين السابقين، وجاء في المركز الثاني (4,33 نقاط).
أسباب داخلية وخارجية
السؤال الذي يطرحه استطلاع (INSA) هو الأسباب التي تؤدي إلى تراجع حزب و/ أو شخصية سياسية، أو تقدمهما. وبداية لا بد من فهم طبيعة الاستطلاع، إذ إنه يقيس “شعبية ونيل رضا” السياسيين على مستوى عموم الشارع الألماني (الجمهور العام)، وليس فقط القواعد الانتخابية للحزب.
1 – تراجع شعبية حزب البديل: نتوقف أولاً عند التراجع الملحوظ لحزب البديل، على الرغم من موجة الحضور البارز لليمين الشعبوي المتطرف في أوروبا، بل في الولايات المتحدة وعدد لا بأس به من دول أميركا اللاتينيية.
ففي العادة تحافظ الأحزاب التقليدية في ألمانيا على جدار عازل يرفض التعاون مطلقاً مع حزب البديل من أجل ألمانيا، مما يجعل شخصيات مثل فايدل وشروبالا مثيرة للانقسام الشديد وعرضة لتقييمات سلبية عالية من ناخبي الأحزاب الأخرى.
وقد ترتبط التراجعات الطفيفة أحياناً بتباين الحملات الانتخابية والتوترات السياسية المحلية، واستطلاع (INSA) جرى مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي في ولاية ساكسونيا-أنهالت (Sachsen-Anhalt)، حيث تحتدم المنافسة وتشتد الاستقطاب الإعلامي ضد الحزب.
2 – تذيل المستشار فريدريش ميرتس للقائمة: غالباً ما يدفع زعماء الأحزاب الكبرى ورؤساء الحكومة ثمن القرارات الصعبة والسياسات غير المعبّرة عن رضا كافة الشرائح المجتمعية؛ فالمواطنون يميلون عادةً لوم رأس الهرم السياسي عن الأزمات الاقتصادية والمعيشية.
وكشخصية تقود المشهد التنفيذي أو المعارض الرئيسي بحدة، يتلقى ميرتس هجمات مستمرة من الخصوم السياسيين (من اليسار واليمين المتطرف على حد سواء)، مما ينعكس سلباً على مؤشرات رضا الجمهور العام عنه مقارنة بشخصيات بيروقراطية أو خدمية يُنظر إليهم أحياناً بشكل محايد (مثل وزير الدفاع بوريس بيستوريوس الذي يحظى بقبول عسكري وشعبي واسع لأسلوب إدارته المباشر).
وثمّة أسباب راهنة تؤثر في الرأي العام الألماني، ومنها ملف المهاجرين وقضايا الشرق الأوسط، وكلاهما ينعكس بشكل مباشر على المزاج السياسي في الشارع الألماني للأسباب التالية:
1 – تأثير ملف المهاجرين على صعود وتراجع حزب “البديل”: يعتمد حزب البديل من أجل ألمانيا (الذي تقوده أليس فايدل) أساساً في شعبيته على الخطاب المناهض للهجرة واللجوء، وخصوصاً القادمين من الشرق الأوسط وأفريقيا، مستغلاً أي توترات أمنية أو أزمات اندماج. وعلى الرغم من أن الهجرة تظل ورقة قوية للحزب، إلا أن استطلاعات الرأي العامة (مثل معهد INSA) تقيس رضا الشارع ككل (بما في ذلك الناخبون المعتدلون واليساريون)، وهؤلاء غالباً ما يرفضون التطرف المتزايد لخطاب الحزب تجاه الأجانب، كما أن الضغط السياسي والإعلامي المستمر من الأحزاب التقليدية لمحاصرة الحزب (الجدار العازل) يخلق حالة من المد والجزر في شعبيته العامة بين استطلاع وآخر.
2 – انعكاس أزمات الشرق الأوسط على السياسة الداخلية الألمانية: أدت الأحداث والحروب المستمرة في الشرق الأوسط إلى انقسام حاد في النقاش العام الألماني حول حرية التعبير، والسياسة الخارجية تجاه إسرائيل وفلسطين، والسياسات الأمنية المتعلقة بالجاليات العربية والإسلامية في ألمانيا.
وفي ظل مثل هذا الاستقطاب، فإن الزعامة التقليدية مثل المستشار فريدريش ميرتس تواج انتقادات مزدوجة: من جهة، يتهمهم قطاع من الشارع والناخبين بتبني سياسات خارجية تزيد من تعقيد الأزمات أو تفتقر للتوازن الإنساني؛ من جهة أخرى، يضغط اليمين واليمين المتطرف باتجاه تشديد أكبر للقيود على الهجرة واللجوء، مما يضع الحكومة وأحزاب المعارضة الكبرى تحت ضغط شديد يفقدها الكثير من شعبيتها العامة ويظهر قادتها في ذيل القوائم (مثل تذيل ميرتس للترتيب).
وفي النتيجة، فإن قضايا الشرق الأوسط وسياسات الهجرة والاندماج هي “الوقود الأساسي” الذي يحرك النقاش السياسي في ألمانيا اليوم، وهي العامل الحاسم خلف صعود التيارات اليمينية الشعبوية وتراجع ثقة الشارع في القيادات السياسية التقليدية التي تعاني لإيجاد حلول مرضية لمختلف الأطراف.
التأثير على عرب ومسلمي ألمانيا
وتؤثر التحولات السياسية الحالية وتشديد سياسات الهجرة واللجوء في ألمانيا بشكل مباشر وعميق على الجاليات العربية والمسلمة المقيمة فيها، سواء على الصعيد النفسي أو القانوني أو الاجتماعي. ويمكن تلخيص أبرز هذه التأثيرات في النقاط التالية:
1 – تصاعد الضغط النفسي والشعور بعدم الاستقرار، وذلك في مجالين: حالة الاستقطاب المستمرة مع تصاعد خطابات الأحزاب اليمينية والشعبوية التي تركز بشكل دائم على ربط الجاليات العربية والإسلامية بالتحديات الأمنية أو أزمات الاندماج، إذ يعيش الكثير من أبناء تلك الجاليات، حتى الحاصلين على الإقامات الدائمة أو الجنسية، في حالة من القلق المستمر إزاء تراجع قبولهم مجتمعياً؛ النمطية الإعلامية والسياسية، حيث تجد الجاليات نفسها مراراً وتكراراً في قلب النقاشات الساخنة أثناء الحملات الانتخابية، مما يضاعف من شعور بعضهم بالإقصاء أو بأنهم مادة سجال سياسي لكسب أصوات الناخبين الغاضبين.
2 – تشديد القوانين وتأثيرها على لمّ الشمل والإجراءات، وذلك في مجالين أيضاً: قيود اللجوء والإجراءات الحدودية التي تواجه العائلات الجديدة أو القادمين الجدد من مناطق الأزمات في الشرق الأوسط (مثل سوريا، والعراق، وغيرها) عراقيل أكبر وبيروقراطية أقسى مع تطبيق مواءمة القوانين مع النظام الأوروبي المشترك للجوء وإجراءات الفحص الحدودي المشددة؛ صعوبات لمّ الشمل العائلي، إذ أدت السياسات الرامية للحد من أعداد الوافدين إلى فرض عراقيل إضافية وشروط معقدة أمام لمّ شمل العائلات المقسمة بين الوطن الأم وألمانيا، مما ينعكس سلباً على الاستقرار النفسي والاجتماعي للكثير من المقيمين.
الشرق الأوسط وحرية التعبير والتجمع
أدت الحساسية السياسية المفرطة المرتبطة بقضايا الشرق الأوسط إلى فرض قيود أشد على بعض الفعاليات، التجمعات، أو حتى التعبير العلني عن التضامن مع القضايا العربية، حيث تُراقب الندوات والاحتجاجات بدقة بالغة من قبل السلطات الأمنية الألمانية تحت ذريعة مكافحة “التطرف” أو “معاداة السامية”، مما ضيق المساحة المتاحة للنشاط الحقوقي والثقافي للجالية.
الاندماج وفرص العمل
على الرغم من التعديلات القانونية السابقة التي استهدفت تسهيل حصول الكفاءات على الجنسية، فإن المناخ العام الحالي يميل نحو التدقيق الأمني المكثف وفرض شروط إضافية وإثباتات صارمة للاندماج اللغوي والمهني، ما يضع أعباء إضافية على الأفراد الراغبين بتسوية أوضاعهم بشكل نهائي.





