تحرير سعر الصرف في مصر وتداعياته
قلّلت مؤسسة سيتي غروب، في تقرير أصدرته مؤخراً، من التوقعات الدولية بتخفيض قيمة الجنيه المصري، مؤكدة أنّ البنك المركزي المصري لن يقوم بتحريك العملة المحلية، حتى نهاية السنة المالية الحالية التي تنتهي في 30 حزيران/ يونيو 2023.
وأوضحت سيتي غروب، أحد أكبر شركات الخدمات المالية الأميركية، أن البنك المركزي سوف يجمّد أي تحرك للجنيه، حتى لا يعرقل هدف الحكومة المتمثل في معالجة عجز الميزانية بنسبة 6,5 في المئة، وألّا يؤثر ذلك سلباً على الناتج المحلي الإجمالي. وبحسب التقرير، فإنّه من المحتمل أيضاً أن ينتظر البنك المركزي المصري تدفق عائدات السياحة، والتي توفر نحو 14 مليار دولار، قبل اتخاذ قرار بشأن الحاجة إلى إعادة تخفيض جديد لقيمة الجنيه.
وتشهد السوق المصرية استقراراً في سعر الصرف، وهدوء في السوق الموازية (السوداء)، على الرغم من تأخر صندوق النقد الدولي في منح مصر الشريحة الثانية من القرض البالغ 3 مليارات دولار.
وفي هذا السياق، يمكن طرح عدة سيناريوهات تتعلق بمستقبل العملة المحلية في مصر، في ضوء المواءمات السياسية، والاحتياجات الاقتصادية:
السيطرة على سوق الصرف وتحديد سعر عادل للذهب
يتطلب هذا السيناريو خطوات أكثر جرأة، وهو ما تؤشر إليه عدة قرارات اتخذتها الحكومة المصرية ضمن برنامج أوسع لإصلاح الاقتصاد وتأمين مسارات العملة الأجنبية، حيث بدأت القاهرة بالعودة إلى تفعيل آليات خطة بيع حصص في شركات مملوكة للدولة، بما في ذلك شركتان يملكهما الجيش. وشهد البرنامج مؤخراً، بيع حصة 9,5 في المئة في الشركة المصرية للاتصالات المملوكة للدولة بقيمة 3,75 مليار جنيه (122 مليون دولار) وطرح 0,5 في المئة من أسهمها للموظفين الحاليين.
إلى جانب ذلك، هناك عائدات مبادرة استيراد السيارات المصرية للمغتربين، المعفاة من الجمارك، والبالغة مليار دولار، فضلاً عن 2 مليار دولار المتوقعة لبرنامج الطرح، إذ سمحت مبادرة استيراد السيارات المعفاة من الجمارك، عشرات الآلاف من المصريين المغتربين بالتسجيل فيها من خلال شراء شهادة إيداع مدتها خمسة أعوام بالعملة الأجنبية، على أن يقوموا بسحب ودائعهم بعد انتهاء فترة الخمسة أعوام، ولكن بالعملة المحلية.
كما استحوذت شركة الأصباغ الوطنية الإماراتية على 81 في المئة من شركة البويات والصناعات الكيماوية المملوكة للدولة المصرية (باكين)، بقيمة 770,4 مليون جنيه مصري (نحو 25 مليون دولار).
ويعزز من فرص هذا السيناريو، تصريحات مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي جهاد أزعور الذي أكد جدية مصر في تطبيق نظام سعر صرف مرن، مشيراً إلى أن “مصر تعمل على استعادة ثقة المستثمرين، في اقتصاد تضرر من تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا”، الأمر الذي يعني تشجيع الاستثمارات الخليجية بشكل خاص، والتي أعلن أصحابها غير مرة، تخوفهم من عدم تحديد سعر مرن للجنيه المصري.
بالمثل، فإن هذا المسعى، يتطلب ضبط أسعار سوق الذهب المنلفتة في مصر، ففي الوقت الذي تستقر فيه أسعار الذهب العالمية، إذ تظهر بيانات بلومبيرغ أن سعر الأوقية استقر عند 2016 دولاراً (متوسط سعر الغرام 71,1 دولار)، فإن أسعار الذهب في مصر أعلى بنحو 1000 جنيه من الأسعار العالمية، ويعود ذلك إلى النقص الحاد للدولار الذي يؤثر في واردات الذهب، الأمر الذي جعل مصر سوقاً مغلقة.
تداركت الحكومة المصرية الأمر، وسمحت بدخول الذهب من الخارج، وصدّقت على مشروع مرسوم يقضي بإعفاء المسافرين الذين يجلبون الذهب من الرسوم الجمركية والرسوم الأخرى، باستثناء ضريبة القيمة المضافة، وذلك لمدة ستة أشهر، الأمر الذي بدأ أثره يظهر في انخفاض الأسعار وضبطها.
وفي هذا السياق، تأتي توقعات تقرير آفاق الاقتصاد الأفريقي، والذي قدر نمو الناتج المحلي الإجمالي لمصر بنسبة 4,8 في المئة خلال العام المالي 2023- 2024 ، وقدر توقعات التضخم بنحو 14 في المئة.
ويبدو أنّ تحقق هذا السيناريو، يتوقف بشكل كبير على محورين غاية في الأهمية: الأول تأكيد نظام العملة المرن للدولة، والثاني التحرك صوب ذلك بخطوات محسوبة حتى لا يؤدي ذلك إلى انهيار العملة المحلية.
إذا نجحت القاهرة في تحقيق ذلك، تكون قد استجابت لمطالبات دول الخليج بتحرير العملة قبل الاستثمار في برنامج الطرح العام المصري، الأمر الذي يوفر لمصر نحو ملياري دولار، وفقاً لتقديرات رسمية، الأمر الذي يدفع الحكومة للعمل على حزم إصلاح هيكلية متكاملة لبدء التعافي التدريجي لمؤشرات الاقتصاد الكلي، قبل نهاية سنة 2023.
المسكنات المؤقتة
مؤسسة كابيتال إيكونوميكس دعت، في تقرير لها، السلطات المصرية إلى التحرك بشكل إيجابي لمعالجة الوضع الحالي، عن طريق السماح بتحريك سعر صرف العملة المحلية بشكل أكثر تماشياً مع قوى السوق. وقالت في تقريرها “كلما طال تمسك المسؤولين بالعملة، زادت صعوبة إعادة المستثمرين الأجانب، ودفع صندوق النقد الدولي إلى استمرار التعاون مع مصر، وسيصبح مسار الخروج من الأزمة الحالية أضيق.”
وتتخوف الحكومة المصرية من تحرير سعر الصرف بشكل كامل، نظراً للتبعات الاجتماعية المترتبة على ذلك، في وقت لم يعد فيه الشارع المصري راضياً عن أداء الحكومة. وتؤكد تقارير داخلية أن خطة الحكومة لا تتضمن تخفيض قيمة العملة على المدى القصير، اعتماداً على مصادر مختلفة لتدفقات الدولار خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي يعني أن الحكومة سوف تتحمل عبء الحفاظ على سعر صرف الجنيه، واللجوء إلى المسكنات، وهو ما سوف يؤثر على تدفق الاستثمارات الأجنبية، وخاصّة الخليجية.
هذا السيناريو يجعل الحكومة ملتزمة فقط باستيراد الاحتياجات الاستراتيجية، وتخفيض الواردات قدر الإمكان، وضبط تكاليف الدولار التي تدخل في عملية الإنتاج المصري، ويبدو أن تأجيل مراجعة صندوق النقد الدولي للاقتصاد المصري حتى تمّوز/ يوليو المقبل، منح الحكومة بعض الوقت، لتأجيل عملية التعويم المرتقبة.
ومن المتوقع أن تؤدي سياسة المسكنات إلى استمرار أنشطة السوق السوداء، في ظل عدم قدرة التدفقات الدولارية على سد الفجوة بين العرض والطلب من خلال النظام المصرفي الرسمي، ما يعني استمرار الأزمة، مع إبطاء تداعياتها وتأثيرها على الشارع، الأمر الذي يسهم على المدى المتوسط في زيادة التضخم، وكذلك أعباء الدين الداخلي.
التراجع الحاد
ربما يحدث هذا السيناريو المظلم، في حالة استمرار عدم القدرة على وقف تراجع السيولة في العملة الصعبة، وتراجع الاحتياطي النقدي، وهو ما قد يؤدي إلى المزيد من تراجع تصنيف مصر الائتماني، وتوقف دعم صندوق النقد الدولي، حال فشل برنامج الإصلاح، القائم على تحرير سعر الصرف.
وكانت وكالة موديز للتصنيف الائتماني، قد وضعت مصر ضمن فئة المراجعة لخفض التصنيف،.كما خفضت وكالة فيتش التصنيف الائتماني لمصر، لأول مرة منذ عقد، على أساس ما اعتبرته الوكالة “عدم وجود إصلاحات كبيرة.” كما أشارت إلى ارتفاع متطلبات التمويل الخارجي في البلاد، إلى جانب القيود المفروضة على الحصول على التمويل في المستقبل، فضلاً عن تدهور مقاييس الدين العام.
أبرز تجليات هذا السيناريو هي ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة، في مدى زمني قصير، مع انهيار قيمة الجنيه، وعدم وفاء الدولة المصرية بالتزاماتها الدولارية، فيما يتعلق بأقساط القروض، بحيث يصبح مستوى ديون الحكومة مرتفعًا لدرجة أنّه لا يمكن تحملها، وتتجاوز خدمة الدين المقررة قدرة الدولة على خدمتها، وهذا يعني انهيار آفاق النمو المستقبلية، وهروب الاستثمارات الأجنبية.