اتفاق سورية وقبرص وحل معضلة اللاجئين غير الشرعيين
شكلت الاتفاقية بين الحكومتين القبرصية والسورية بشأن إعادة اللاجئين غير الشرعيين حدثاً بارزاً في الفترة الماضية، إذ ترافق إعلان الاتفاقية مع إعادة السلطات القبرصية عشرات اللاجئين الى سورية.
هذه الاتفاقية، في ظاهرة اللاجئين المعقدة والتي يتداخل فيها الأمن القومي والدولي مع الجغرافية السياسية، تثير العديد من التساؤلات عن أهميتها، وأهداف الحكومة السورية الجديدة من مثل هذا الاتفاق، وما هو تأثيرها على سورية كلها وقبرص والاتحاد الأوروبي، وهل تصبح هذه الاتفاقية نموذجاً لتعاون واقعي جديد بين سورية ودول الجوار للحد من هذه الظاهرة، وتهدئ من المخاوف المتعلقة بالأمن الإنساني.
إعادة اللاجئين
وقعت الحكومتان السورية والقبرصية في الآونة الأخيرة اتفاقية تقضي بإعادة المهاجرين السوريين الذين يتم اعتراضهم في عرض البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى الجزيرة.
وقال نائب وزير الهجرة القبرصي نيكولاوس يوانيديس في تصريحات صحفية في 12 أيار/ مايو إن “الاتفاق القبرصي- السوري دخل حيّز التنفيذ فعلياً، حيث أُعيد زورقان مطاطيان على متنهما نحو 60 سورياً، إلى السواحل السورية، بعد أن تم اعتراضهما من قبل البحرية القبرصية عقب تلقي نداءات استغاثة.”
وأضاف يوانيديس إن “هذا الإجراء يأتي في إطار مكافحة الهجرة غير النظامية والحد من نشاط شبكات تهريب البشر”، مشيراً إلى أن “القوارب التي كانت في السابق تنطلق من لبنان، باتت تنطلق بشكل متزايد من السواحل السورية.”
علاقات مستقرة
احتفظت سورية وقبرص بعلاقات دبلوماسية مستقرة نسبياً، وكان هناك تواصل تجاري واقتصادي بينهما، فضلاً عن الروابط الاجتماعية والثقافية التي تجمع البلدين بحكم القرب الجغرافي، لكن بعد الثورة السورية سنة 2011 واندلاع الصراع بين نظام الأسد والقوى الحليفة والرديفة له من جهة، وقوى المعارضة من جهة أخرى، اتخذت قبرص موقفاً حذراً، فقد التزمت بالموقف الأوروبي العام الذي يدعوا إلى تحقيق انتقال سياسي في سورية، لكنها لم تشدد بشكل كبير حيال النظام السابق.
ونظراً لموقعها الجغرافي بالقرب من السواحل اللبنانية والسورية، فقد أصبحت بمثابة محطة عبور، أو وجهة مباشرة، لعدد من اللاجئين السوريين الهاربين من بطش النظام والصراع الدائر والظروف الاقتصادية الصعبة.
وقد أدى ازدياد تدفق المهاجرين إلى زيادة الضغط على السلطات القبرصية، وأثار قلقاً متزايداً للاتحاد الأوروبي.
لكن في الوقت الحالي فإن سوريا تحاول إقامة علاقات متوازنة مع كافة دول الجوار والانخراط في الأمن الدولي، ونظراً للرغبة القبرصية في إيجاد حل لشبكات تهريب البشر، فإنه تم الموافقة من قبل السلطات السورية الحالية بإعادة قوارب المهاجرين التي يتم اعتراضها في البحر.
مصلحة مشتركة
ترى الحكومة القبرصية الحالية أن معظم المهاجرين الذين يحاولون الوصول إليها عبر القوارب هم مهاجرون غير شرعيون تستغلهم شبكات مهربين للبشر، وأنهم يأتون غالباً للعمل في قبرص بشكل سري، أو ينتقلون إلى أوروبا عبر طرق غير شرعية، وأنهم ليسوا من الأشخاص الذين يحق لهم طلب اللجوء أو الحماية الدولية. وفي هذا الصدد قال يوانيدس “الرسالة التي نرسلها هي أن جمهورية قبرص لن تتسامح مع إساءة استخدام نظام اللجوء من أشخاص لا يحق لهم الحصول على اللجوء أو الحماية الدولية ويأتون إلى هنا فقط للعمل”، ولذلك فإن إعادة المهاجرين من البحر إلى سورية قبل الوصول إلى الجزيرة يسهم في تخفيف الضغط عليها، وتقليل المخاطر الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن يحدثها زيادة أعداد المهاجرين الغير شرعيين واللاجئين فيها.
كما أن هذه الاتفاقية يمكن أن تمهد لتحسين تبادل المعلومات بين سوريا وقبرص في مجال تحديد الهويات والتنسيق في تفكيك شبكات تهريب البشر، وتفتح قنوات دبلوماسية أكثر مرونة من السابق مع السلطات الجديدة في دمشق.
وبالنسبة للسلطات السورية الحالية فإن إجراء إعادة المهاجرين يمكن أن يزيد من شرعيتها الدولية على اعتبار أنها تكافح الهجرة غير الشرعية وشبكات تهريب البشر، وهي بذلك تثبت قدرتها بالتأثير بالأمن الدولي بشكل إيجابي.
وعلى الصعيد الداخلي يمكن أن تستفيد من إعادة المهاجرين في ملاحقة بعض مجرمي الحرب السورية الذين يمكن أن يكونوا من الأطراف التي ثقلها في التحقيقات التي ستجرى على ضوء تحقيق العدالة الانتقالية في المستقبل القريب، والذين يحاولون بشتى الوسائل الإفلات من العقاب.
انفتاح على أوروبا
يمكن لهذه الاتفاقية أن تحوّل قبرص إلى وسيط فعلي بين سورية الجديدة وأوروبا من خلال بوابة الهجرة، فهذه الاتفاقية تعطي اعترافاً عملياً للسلطات الحالية من قبل الدول الأوروبية، وتفتح محادثات أوسع مع الاتحاد الأوروبي حول عودة اللاجئين، وإعادة الإعمار، وإصلاح مؤسسات الدولة السورية. لكن ذلك مرهون بالتزام الحكومة السورية بالمعايير الإنسانية في التعامل مع العائدين، من أجل تهيئة البيئة الآمنة المناسبة لهم ولغيرهم من سكان سورية، التي تنبذ العنف والتطرف وتحافظ على السلم الأهلي وتحقق تنمية اقتصادية تعزز من الأمن الاقتصادي، إذ إن هناك الكثير منهم هاجر بسبب الظروف المعيشية القاسية بعد الصراع المرير في سوريا.
ومثل هذا الأمر يمكن أن يخفف من الانتقادات الحقوقية التي طالت وستطال مثل هذه الاتفاقيات وترفع منسوب الثقة بالتدرج بين أوروبا وسورية، وتبعدها عن العزلة التي فُرضت عليها في عهد نظام الأسدين.
نموذج للتعاون
إن هذه الاتفاقية تظهر مدى تعقيد قضية اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين وشبكات الاتجار بالبشر، وتداخلها مع الجغرافيا السياسية والأمن القومي والدولي.
وعلى الرغم من أنها تعد محفوفة بالمخاطر لأنها تعكس تساؤلات جوهرية حول القيم والمبادئ التي يرتكز عليها النظام الأوروبي.
وإذا كُتب لهذه الاتفاقية النجاح في تقليل أعداد المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين دون أن تسبب بكوارث إنسانية أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فإنها يمكن أن تصبح نموذجاً لتعاون واقعي جديد بين سورية ودول الجوار، وتهدئ من المخاوف المتعلقة بالأمن الإنساني، وكل ذلك مرهون بتثبيت استقرار سياسي مقبول في سورية الجديدة، وتحقيق تنمية اقتصادية شاملة.